أحمد بن محمد المقري التلمساني
12
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
والآخر من الأول هو الثاني الذي أخبر صلى اللّه عليه وسلم أنه خير القرون بعد قرنه ، وأولى القرون بكل فضل بشهادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأنه خير من كلّ قرن بعده ، ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية ، وكان الأمير بها في تلك السفن هبيرة الفزاري ، وأمّا صقلية فإنها فتحت صدر أيام الأغالبة سنة 212 ، أيام قاد إليها السفن غازيا أسد بن الفرات القاضي صاحب أبي يوسف رحمه اللّه تعالى ، وبها مات ، وأما إقريطش فإنها فتحت بعد الثلاث والمائتين « 1 » افتتحها أبو حفص عمر بن شعيب المعروف بابن الغليظ ، من أهل قرية بطروج من عمل فحص البلّوط المجاور لقرطبة من بلاد الأندلس ، وكان من فلّ الرّبضيين ، وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في أيام أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة 350 ، وكان أكثر المفتتحين لها أهل الأندلس . وأما في قسم الأقاليم فإن قرطبة مسقط رؤوسنا ، ومعقّ « 2 » تمائمنا ، مع سرّ من رأى « 3 » في إقليم واحد ، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا ، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلّا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور ، وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدلّ عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها ، فلها من ذلك على كلّ حال حظّ يفوق حظّ أكثر البلاد ، بارتفاع أحد النّيّرين بها تسعين درجة ، وذلك من أدلّة التمكّن في العلوم والنفاذ فيها عند من ذكرنا ، وقد صدق ذلك الخبر ، وأبانته التجربة ، فكان أهلها من التمكّن في علوم القراءات والروايات وحفظ كثير من الفقه والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم بمكان رحب الفناء ، واسع العطن ، متنائي الأقطار ، فسيح المجال ، والذي نعاه علينا الكاتب المذكور لو كان كما ذكر لكنّا فيه شركاء لأكثر أمّهات الحواضر ، وجلائل البلاد ، ومتّسعات الأعمال ، فهذه القيروان بلد المخاطب لنا ، ما أذكر أني رأيت في أخبارها تأليفا غير « المعرب ، عن أخبار المغرب » وحاشا تآليف « 4 » محمد بن يوسف الوراق ، فإنه ألّف للمستنصر رحمه اللّه تعالى في « مسالك إفريقية وممالكها » ديوانا ضخما ، وفي أخبار ملوكها وحروبهم والقائمين عليهم كتبا جمّة ، وكذلك ألّف أيضا في أخبار تيهرت ووهران وتونس « 5 »
--> ( 1 ) في الجذوة : « بعد الثلاثين والمائتين » وفي معجم البلدان لياقوت الحموي « بعد سنة 250 » . ( 2 ) معق تمائمنا : أخذه من قول الشاعر : بلاد بها عق الشباب تمائمي * وأول أرض مس جلدي ترابها ( 3 ) سرّ من رأى : سامراء . ( 4 ) في ب : « تواليف » . ( 5 ) في ب ، ه : « وتنس » .